مدينة إف إم

بين التحرش والترطب

Posted by:

أحث حادث الحافلة ضجة كبيرة فيما يخص مفهوم القيم داخل المجتمع المغربي ، وأعاد إلى الواجهة صراع الحداثة والقيم ، وارتفعت أصوات الغاضبين والمنددين ، وإن كان يجمع الكل على إدانة هذا الفعل الإجرامي ، إلا أن هناك اختلاف كبير حول الأسباب والمسببات ، حيث تباينت مواقف العديد حول الأسباب الحقيقية وراء هذه الظاهرة التي تنخر القيم الأخلاقية ، والتي لا يكاد يمر يوم دون أن تكون لهذه الظاهرة اللاأخلاقية وجود حقيقي ملموس ، حتى أضحت مظهرا من مظاهر السلوكات اليومية، إلا أنه اختلفت آراء الكثيرين حول أسبابها وتموقعها ، فهناك من يتهم الفكر الذكوري بتفشيها من جهة ، وهناك من يعتبر على أن الأفكار التحررية المتفتحة على مظاهر العري والتحرر الزائد عن اللزوم سببا حقيقيا في ذلك، وبين هذا وذاك برز أكثر حدث الحافلة الذي لم يكن سوى نقطة صغيرة وسط أحداث كبيرة، رغم حمولتها الاجتماعية والأخلاقية والقيمية .

إلا أنه وإذا كان البعض يعتبر حادث الحافلة ، حادثا منفصلا، فمن الخطأ اليوم أن ننظر إليه كذلك، نظرة قاصرة بالنظر إلى ما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية التي تعرف تحولات كبيرة وسريعة وخطيرة في نفس الوقت على مستوى العالم وليس على مستوى المغرب فقط، ساهمت في تجلياتها وإظهارها مجموعة من العوامل السياسية  والاقتصادية والاجتماعية بصفة عامة .

وإذا كان التحرش بالمعنى العامي هو ظاهرة احتكاك لا أخلاقي بين الجنسين، فلا ننسى أنه يأخذ مظاهر متعددة يمكن أن يحمل من خلالها معاني أخرى قد نسميها الترطب أيضا ،كما سبق وعبر عن ذلك المفكر مصطفى الشكدالي أستاذ العلوم الاجتماعية في إحدى برامج القنوات الوطنية، ذلك أنه لا يمكننا أن نفصل كما سبق الذكر الظاهرة عن مجموعة من الظواهر التي تحمل نفس الصورة ونفس المنطق ، وإن كانت بصورة أقل حدة، لاتعتمد على مفهوم الاحتكاك ولكن تعتمد على مفهوم التوافق ، من خلال ما نلحظه في مجموعة من السلوكات سواء في الشارع العام أو على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى بعض المواد الإعلامية كالأفلام والمسلسلات والأغاني ، دون أن ننسى بعض الأماكن المعدة لذلك كالحانات والمقاهي، وما يعرف بالسياحة الجنسية التي يعتبر المغرب من بين الدول التي تعرف انتشارا واسعا على هذا المستوى، وهي حقائق لا يمكن تجاهلها بأي شكل من الاشكال.

  إن التحول المجتمعي الخطير الذي فكك الأسرة قبل المجتمع ، نتج عنه تقصير جمعي في التربية والسلوك ، ولذلك نجد اليوم أن هذه الظاهرة تضع مجموعة من الجهات في وجه المسؤولية ، بدءا بالأسرة والمدرسة ثم المجتمع ككل، الذين لم يعودوا قادرين مواكبة هذه التغيرات السريعة، التي تنخر المجتمع في ظل مفهوم حداثي يعيد ترتيب المفاهيم وخلطها بين مؤيد ومعارض ، وفق رؤى وأهداف تختلف من شخص لآخر ، وفق منظور ثقافي وفكري وإيديولوجي معين.

لكن المشكل الأكبر  هو بدل أن يعرف اليوم فتح حوار مجتمعي شامل وصريح حول منظومة القيم الجمعية داخل المجتمع المغربي، يعرف هوة أكثر فأكثر من خلال كون كل تيار يحاول أن يكسب مجموعة من النقط لصالحه كلما سنحت الفرصة لذلك ، كلما برز حدث معين ، مما يزيد الطين بلة ، حول مسألة التفاهم والتوافق على منظومة قيم يسعى ويعمل من خلالها الجميع لصالح الجميع ، بعيدا عن أي ديماغوجية غوغاء ، لا تصلح ولا تذر ولا تبني مجتمعا متماسكا في ظل منظومة أخلاقية هشة.

0

أضف رأيك