مدينة إف إم

الشاعرة والقاصة سعيدة عفيف

Posted by:

 في حلقة يوم الجمعة 31 مارس2017 من برنامج مقامات الثقافي والفكري الشائق الذي يبث على أثير مدينة إف إم بمكناس استضاف الإعلامي المتميز الأستاذ عبد الله البلغيثي، ضمن الحلقات التي خصصها للأدب النسائي بمناسبة اليوم العالمي  للمرأة، استضاف خلالها الشاعرة والقاصة المغربية سعيدة عفيف بنية إلقاء الضوء على منجزها الإبداعي المائز. وتناول الجوانب الجمالية في سرودها القصيرة ” في انتظار حب الرشاد”، والتجليات الفنية في ديوانها البكر الموسوم ب “ريثما…”

وبعد ترحيب الأستاذ عبد الله البلغيثي بالمبدعة سعيدة عفيف وكل من الأساتذة   المهدي نقوس، وعبد الرحيم التدلاوي، وحسن إمامي، و إدريس زايدي، توجه بالسؤال لضيفة الحلقة حول بداياتها وكيف جاءت إلى عالم الأدب وعلاقتها بعملية الكتابة، التي انطلقت من خلال عشقها للكتاب منذ طفولتها الأولى عبر مكتبة والدها المدرس الذي كان عاشقا بدوره للكتاب والقراءة والتي تضم نفائس المصنفات، وبين أحضان ذلك البيت العامر بالكتب نشأت وتبرعمت موهبتها التي استغلتها بداءة في تدبيج بعض الخواطر والتفنن في كتابة مواضيع الإنشاء، ثم أشارت في معرض حديثها إلى أن الشعر كان أولى القارات التي وطئتها قدماها، بكثير من الحزم والثقة في النفس، و بأن كتاباتها ليست سليلة لأحد، ولا تقتفي رؤيتها أثرا، ذلك أنها أتت إلى السرد القصير متخمة بعذوبة الشعر الرفيع، متسلحة برحابة الخيال الوارف، وأكثر احتفاء بمسرات اللغة، وأوسع اطلاعا على آفاق أخرى كونها حاصلة على الإجازة في الأدب الفرنسي، ولها رواية مخطوطة تنتظر دورها إلى المطابع، إلى جانب إلمامها بأبجديات الموسيقى ومقاماتها، ثم تدخل الناقد والقاص المهدي نقوس ليشير إلى أن المبدعة تزاوج في كتابتها فلسفة للحياة، والتأمل الصوفي، واللغة الشاعرية الباذخة، باعتبار القصة أنها بمثابة ” الأخ الأصغر للشعر “، حسب تعبير خوليو كورتازار، الذي يقول أيضا وأيضا بأن “الرواية تفوز بالنقاط. أما القصة القصيرة فتفوز بالضربة القاضية..”، و بهذا الكلام الجميل ينتصر خوليو كورتاثار لجنس القصة القصيرة، التي يشكل السعي وراء مطلق الجمال والمتعة واللذة غايتها المثلى، هكذا تسبح المبدعة المغربية سعيدة عفيف بالقارئ، من خلال قصص المجموعة العشر، داخل عوالم عجائبية تجريدية في الغالب الأعم ، بداية من العنوان المخاتل الماكر دون ريب، والذي سيفاجئ القارئ للوهلة الأولى لغرابته إلى حد واضح، الغرابة التي تصدم القارئ، الجمال الذي ينهض على المفارقة العجيبة، وفتح الشهية على مزيد من الأسئلة التي توسّع الزمان، كما يعبّر عن ذلك موريس بلانشو، وبداية من العنوان الغريب الذي يحيل للوهلة الأولى على المطبخ المغربي والطب البديل نصاب بحيرة إزاءه، فعبد الفتاح كيليطو يستعمل مصطلح الغرابة بتعدد مستوياتها وأبعادها، من حيث إنها من أسس العملية الإبداعية، لكن قد نجد جوابا مباشرا فيما ذهب إليه رولان بارت، من أن العنوان هو البنية المستقلة التي نستشف من خلالها العلاقة التواصلية ما بين الخطاب والمتلقي، ونقف هنا على كون القاصة ساردةً- خارجيّةً،  تخترع سرودا معلومة، بعكس  شهرزاد  التي تتحايل على الوقت والموت بسرد  حكايات، تلقتها من مكتبة أبيها الوزير، عن ساردين مجهولين يُمثِّلهم من اضطَّلع بوضعها في الكتب، على رأي د. عبد الرحيم جيران، وليست خالقة لها، وهنا تكمن مهمة القاصة الصعبة  المحفوفة بالمخاطر (القتل)  بالنسبة  لشهرزاد، فكانت النتيجة الحتمية هي البحث عن مسوغات للحكي الجميل، وابتكار الطريقة السحرية المشوقة لشد انتباه المتلقي، واللغة السهلة الممتنعة والأسلوب الشفيف والإقناع المبرر.. حتى ليمكن القول بأن النصوص مفخخة بالأفكار والحكم والمعاني العميقة والتساؤلات الأنطولوجية التي لو تأملنا فيها جيدا لوقفنا على العديد من الأسرار الفلسفية للشخوص.

***

عقب ذلك، وجه الأستاذ عبد الله البلغيثي الكلمة للأستاذ عبد الرحيم التدلاوي الذي تناول ميكانيزمات الحكي في الليالي العربية واستثمار القاصة بتلك الأساليب السردية المعلومة بمكر الحكاية، ثم تناول ما يسمى في النقد المعاصر بــــ التصديرات التي اختارتها الكاتبة لتستهل بها نصوصها، هذه العتبات النصية أو النصوص الموازية الملحقة بالنصوص، المندغمة فيها، والتي لا يمكن قراءتها قبل المرور بها، وأوضح بأن اختيار الكاتبة لتلك النصوص المختارة بحكمة كان لأجل تقوية أبعاد النصوص الفنية والجمالية. كما أشار الأستاذ عبد الرحيم التدلاوي إلى تيمة الاغتراب وأنسنة الأشياء التي تطغى على معظم نصوص المجموعة، معبرا عن الوضع العام بالوطن العربي الكبير وبالعالم وما تنتجه الحروب من كدمات وجروح لا تندمل بالنفس وتؤثر على الكتابة التي تترجم ذلك بطريقتها. مصنفا تلك التصديرات بين ما هو صوفي وفلسفي وانطباعي، ومواقف شخوص النصوص التي تشكل القهر الذي تتعرض إليه المرأة عبر العديد من نصوص الإضمامة إحدى أهم سماتهم ..

***

وأخذ  الكلمة ذ. المهدي نقوس الذي قال بخصوص تلك التصديرات بأن النقد السيميائي الحديث يشترط فيما يعترف عليه بالخطاب المقدماتي البحث أولا في “عتبات النص”، وهي أنساق جمالية تنطلق من درجة الصفر في الكتابة، لفك شفرة اسم المؤلف، العنوان، اللوحة، دار النشر، الإهداء، المقدمة، الخطوط، الكاليغرام، الانزياح والتورية والاستعارات والأحابيل اللغوية، وكلها إحالات إجرائية وتفاصيل بصرية ووسائل تعبيرية وفنية تشكل في مجملها مرجعية مهمة ومفتاحا لآليات التأويل يستعين بها ومن خلالها المؤلف لتبيان وإيصال خطابه، وقد جاء في كلام أبي هلال العسكري قوله: “أحسنوا معاشر الكتاب الابتداءات فهن دلائل البيان”، إنها بمثابة تجسيرات نصوصية موازية، تحوي قدرا من الحكمة والتبصر والمتعة والعبرة، خطابات قائمة بذاتها لا محيد لنا  عنها، عتبات على هيئة متون مضمرة تشارك في بنية النصوص، نصوص محايثة، خطاب منتج لمعادلات سردية، نص ملحق بنص، نص مواز لنص يحقق في عمقه أغراضا فنية وبلاغية، وأخرى جمالية مرتبطة أساسا بالمتن القصصي، و”اختيار الكلام أصعب من تأليفه” كما يقول محمد بن عبد ربه، كما تشي إلى امتلاك القاصة سعيدة عفيف لكل مقومات وأدوات الكتابة القصصية الجادة، واعتمادها لغة أنيقة سلسة بسيطة وثراء أفكارها وتنوع المواضيع التي تعالجها “

و يقول أحمد بوزفور، في تقديمه لمجموعة “خرائط بلا بحر” للقاص أحمد زياد: “… ومن حسن الحظ أن الكاتب غير مولع بالنصوص الموازية في بداية الكتاب أو المقتبسات والاستهلالات في مقدمات النصوص؛ وهي الظاهرة التي عمّت، حتى غمّت” (الزرافة المشتعلة، 109 )

لكننا خلافا لهذا  القول  الذي  نقدر  صاحبه  ونحترمه كثيرا ، نجد أن العديد من الأدباء يستهلون نصوصهم باقتباسات متنوعة كما الشأن بالنسبة لخورخي لويس بورخيس الذي  يستشهد  بعض  الأحيان  بأمثال  مغرية و بسور و آيات من القرءان والإنجيل والأحاديث

***

بعد ذلك تدخل ذ  حسن إمامي بالقول بأن الأيقونات تسافر وحيثما حلت تسجل بريقها الأخاذ. تلك رحلة المبدعة سعيدة عفيف، وإن كانت تمتلك عوالمها الخاصة التي تسافر فيها بالخيال والمجاز والحكي الجميل فإنها قررت أن تجعل السفر من عاصمة البهجة مراكش إلى عاصمة مكناس مدينة الأسوار والأقواس وعبق التاريخ المشترك بين ربوع هذا الوطن.

في مقام مشترك، جمع في مركبه الإعلامي والناقد والمبدعة، كانت سعيدة عفيف ضيفة برنامج مقامات على أمواج إذاعة مدينة ف م. حاورها خلال مدة اللقاء الإعلامي المتميز عبد الله البلغيثي حول تجربتها الإبداعية. ساءلها حول سر الحكي والنظم الذي يؤثث صفحات البياض فوق جسد هذا الكون المجترح بالسؤال. ساءلها النقاد وقاموا بالحفر في طبقات النصوص التي يكمن بداخلها سر البوح واستقطاب الشخوص وصور الحياة المرسومة بلون الماء وطعم الحبر العاشق لقيم الحرية والحياة.

كانت المناسبة شرطا لسؤالها كامرأة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة الذي جعل من خلاله برنامج مقامات شهرا للاحتفال واستقبال مبدعات وفنانات، كل جمعة من أسابيع هذا الشهر الواعد بأشعار الربيع، وكان الربيع قد حل وهل مع خاتمة عقد المجوهرات المرصعة للبرنامج. في يوم 31 مارس من سنة 2017، تكلمت الأديبة (سعيدة عفيف) عن تجربتها الإبداعية. قرأ بين سطور منجزها كل من الناقد المتميز مهدي نقوس والناقد الحصيف عبد الرحيم التدلاوي، وقدم شهادة الاعتراف وبصمة التاريخ المخلد كل من الناقد إدريس زايدي والأستاذ حسن أمامي.

لم تكن عصفورة بريئة في تحليقها. كان يقلقها سؤال الأرض والواقع وسيرورة الأنام فوقها. كانت أسئلة الثقافة والتحرر، قضية المرأة ودورها المجتمعي، عدالة المطالب الحقوقية، موضوعية الرؤية و الرؤيا التي تبحث عن توازن صحي وسوي في معالجة المظنونات والمعتقدات، لانطلاق فصل الربيع براعمَ في القلوب وزهور تمتلئ بها دروب الحياة.

مرة أخرى وليست الأخيرة، يسجل قران الإعلام بالثقافة أهميةَ الحدث وخلودَه، والذي استمتع المستمعون خلال مدة الساعة ونصف بالذوق والجمال.. على أن طعم السعادة الجامعة لهما يكون بتفوق مادي يجمع حركات الشفاه وثقافة البصر حين يعانق المرء الكتاب ويأخذ بين صفحاته في جني فاكهة الأدب الجميل. أن تسافر في ديوان (ريثما)… وفي المجموعة القصصية (في انتظار حب الرشاد)… وفي (رواية موال أطلسي)، تلك رحاب جنة الإبداع عند (سعيدة عفيف) وذلك مبتغى العشق للعلم والفكر والأدب والإبداع و الإعلام داخل برنامجكم مقاماااااات.

***

ومن خارج الاستوديو تدخل ذ. إدريس زايدي ليعرج على تجربتها الشعرية من خلال  ديوانها الموسوم بــ ( ريثما )، متناولا  جوانب اللغة الشعرية المتميزة  والمتينة واقتناص اللعظات الشعرية المشرقة والصور الشعرية العميقة.. والموسيقى الايقاعية  التي تجمع بين رقة المعنى وبداعة الوصف عبر نماذج من القصة الشعرية كما في  قصيدة “امراة من هناك” .. وتجسيد  قضايا المرأة المحرومة والمضطهدة والقضايا  الانسانية  في  فلسطين والعالم العربي على  الخصوص.

***

أخذ ذ. المهدي نقوس الكلمة ليتحدث عن تجربة سعيدة عفيف الشعرية في ديوانها البكر، ابتداء من العنوان الذي يتألف من كلمة واحدة:”ريثما” على غرار العديد من الأدباء الذين يتخذون مثل هذه العناوين المحيرة والمثيرة للانتباه لتفجير الأسئلة لأجل فك العلاقة بين العنوان والمواضيع؛ كما أشار إلى أن الديوان تتوزعه ثلاثة محاور: المرأة، والوجدان والأشجان العربية، وفي ذلك محاولة جادة من الشاعرة لاحتواء الواقع وإعادة انتاجه، إذ إن الشعر عندها محمل بالجمال والإشراق، إضافة إلى مشاعر إنسانية وأوضاع سياسية تتكامل في تشكيل وعي الشاعرة.

***

وفي الاخير تحدثت  المبدعة  سعيدة عفيف عن سؤال الأدب النسوي وكيف  تراه كامراة لترد بأن المرأة عرفت انفتاحا على العالم.. وتبوأت كل المناصب التي كانت حكرا على  الرجل. إلى جانب تناولها لبعض المواضيع التي كان  مجرد  التطرق  إليها عيبا من العيوب.

***

–        قراءة قصيدة: “امرأة من هناك”

***

في الأخير، شكر السيد عبد الله البلغيثي الحاضرين على إسهامهم في التعريف بالمنجز الإبداعي للكاتبة سعيدة عفيف وعلى إنجاح الحلقة بما أتاحته من تساؤلات عديدة حول كتابات الضيفة وحول الكتابة الإبداعية النسائية عموما والإضافة النوعية التي حققتها للمشاركة في الخطاب إلى جانب الرجل ولنحت أفق مغاير في الكتابة.

وفي كلمة أخيرة، شكرت الكاتبة سعيدة عفيف الأدباء الأساتذة الأجلاء على تشريفها بحضورهم الجميل وعلى تقديم الدعم المعنوي لها منذ بداية مسارها الأدبي، إذ لولاهم لما استطاعت كتاباتها أن تعثر على حيز في هذا الوجود. كما أجزلت الشكر لجنود الخفاء وللسيد عبد الله البلغيثي على جهودهم المحمودة في الاهتمام بإعلاء منار الثقافة عاليا في هذا البلد الأمين.

0

أضف رأيك