مدينة إف إم

المشاكل الأسرية وتأثيرها على التحصيل الدراسي للأطفال

Posted by:

ينتاب عدد من الأسر المغربية وخصوصا الامهات رهاب شديد وخوف متواصل من فشل الابناء في مسارهم الدراسي. وإذا كان مفهوم الفشل لا يعني بالضرورة الرسوب فإنه يحيل عموما الى عدم الحصول على نقط مرتفعة و تبوء مراتب متقدمة تسمح لهم بمواصلة مسارهم الدراسي بأريحية على امل ولوج احدى المدارس او الكليات الكبرى ومن ثم نيل شهادة تفتح لهم ابواب مستقبل زاهر. وقد يكون هذا الخوف غير مبني فقط على النتائج الدراسية بفعل نفخ المؤسسات الخصوصية في النقط وإنما على إحساس عام مفاده أن الأمور لا تسير على ما يرام وإن استعصى فهم الإشكال لدى الوالدين. ذلك أن معظم الآباء و الامهات يمارسون مهامهم من باب الهواية و قلما تجد أحدا منهم تابع تكوينا فيما يخص تربية الابناء وبيداغوجية التحصيل. الشيء الذي يجعلهم أحيانا يخبطون خبط عشواء فيقومون بالفعل و ضده و يبادرون الى اخد قرارات تزيد المشكل تعقيدا فينتج عن ذلك تشنج العلاقات الأسرية و انزعاج الآباء و اضطراب الابناء.

وإذا كانت لكل مرحلة دراسية خصوصياتها و أهدافها و بالتالي طريقة التعامل معها فإننا سنقف في هذا المقال على المرحلة الابتدائية التي تمثل الفترة الذهبية لتكوين شخصية المتعلم و الأساس الذي تبنى عليه ركائز منظومة التعليم. وفي اعتقادي فإن هذين الامرين يشكلان الهدف الرئيسي لهذه المرحلة و الذي يجب على الآباء دوما استحضاره في إطار متابعتهم لنمو ابنائهم و تقدم تعلمهم. ذلك أن مناط أمر هذه الفترة هو تكوين شخصية الطفل المسؤولة و المتوازنة و القوية ثم مده بالأساسيات المعرفية التي تضمن له تعلم ناجعا و تحصيلا فعالا.

الأساس الأول : تكوين الشخصية القوية

يشكل هذا الأساس لب هذه المرحلة و جوهر بناء كينونة الفرد. ويمكن تجسيد هذا الأساس انطلاقا من الدعائم الخمس الآتية:

الاستقرار الاسري عماد التربية السليمة

لا أحد يجادل في كون الاسرة هي المحضن الرئيس للتربية و التنشئة. فالطفل مرآة لبيئة الأسرة يتأثر سلبا و ايجابا بها. وكلما تمتع هذا المحيط بالاستقرار و ساده الحب و الوئام و ابتعد عن مظاهر الصراع و الخصام كلما انعكس ايجابا على تكوين الشخصية السليمة و المتوازنة. والأسرة هي مصدر تلقي الابناء لمنظومة القيم ومنها يستمدون مفهومها و كنهها لذلك يشكل الآباء عادة قدوتهم ومثلهم الأعلى وعليه فإن اي خلل او تناقض في سلوك الاباء ينتج عنه اثر مباشر و انعكاس سلبي في تصرفات الابناء.

التربية على الاخلاق الفاضلة و الذوق الرفيع

ان التربية الصحيحة تتطلب تعليم النشء مكارم الاخلاق وفضائل الصفات و حثهم على التحلي بها و الابتعاد عن قبيح الافعال و الاقوال ثم تهذيب الذوق على سمو المعاني و رفعة المقاصد تمثلا للفطرة النبيلة التي خلقوا عليها. وهذا يتطلب من الاباء مصاحبة قريبة ومواكبة فعلية لأبنائهم وتجسيدا بالمثل و النموذج صونا لهم من رداءة المحيط و تشعب تناقضاته.

ومما يساعد على تحقيق هذه الدعامة بالإضافة الى عنصر الأسرة المشار اليه في النقطة السابقة هو تعليم الأطفال سيرة العظماء و العلماء الذين بصموا التاريخ و حثهم على حفظ ما تيسر من كلام الله سبحانه تعالى سيرا على منوال الأجداد. فالقرآن الكريم يحفظ حاملَه و يفتح بنوره بصيرته ويصقل بعمق معانيه عقله ويزين بفصاحة لغته لسانه.

التنشئة على مبادئ المسؤولية و الاستقلالية

ان مما يميز الشخصية الناجحة هو استقلاليتها و قدرتها على تحمل المسؤولية استعدادا لمجابهة التحديات و تجاوز العراقيل والتكيف مع المتغيرات. وهذا ما يتأتى بتربية الأبناء منذ الصغر على مبادئ المسؤولية و المبادرة والثقة بالنفس ثم باحترام اختياراتهم و تجنب تعويدهم على التواكل و القيام بواجباتهم بدلا عنهم. فمتى تدربوا على استقلالية الرأي و الفعل كان مدعاة لهم لمواجهة مختلف الصعاب بقوة و عزيمة و محركا لاقتحام عقبات الحياة كيفما كانت.

التدرب على حب القراءة و طلب المعرفة

ان العقل لا ينمو إلا بالمطالعة و التفكير لذا فإن الحرص على القراءة و الاطلاع ينمي لدى الطفل ملكات التفكير و التأمل ويولد لديه فضول طلب المزيد و نهم الانفتاح على مختلف صنوف المعرفة و العلوم. هكذا فان تدريب الابناء على القراءة الهادفة و الممتعة يساعدهم على تكوين شخصيتهم المستقلة و رأيهم الحر و تفادي الانغماس في العاب الفيديو الرتيبة و الاكتفاء بثقافة صفحات التواصل الرقمي الهزيلة.

التمرن على الانشطة الرياضية و الترفيهية

العقل السليم في الجسم السليم. ولبلوغ هذه الغاية يجب تخصيص وقت كاف للرياضة و الترفيه عن النفس فكلما نشط الجسم و خلا من الامراض الجسدية و مظاهر الكسل و الخمول كان دافعا لنشاط العقل و الفكر ومدعاة لمواصلة الجد و الاجتهاد و سببا في استدامة التركيز و جودة التحصيل.

انطلاقا من هذه الركائز يتبين الدور المحوري للآباء في التربية و التأثير المباشر لهم سلبا او ايجابا في تشكيل شخصية الابناء التي تعتبر الأساس الرئيس لهذه الفترة و التي تتطلب كذلك مواكبة في جانب التحصيل العلمي حتى يكتمل بناءها ويشتد عضدها.

الأساس الثاني: التعلم الناجع

يشكل هذا الأساس اللبنة الثانية في صرح تحقيق النجاح المثالي للتلميذ خلال المرحلة الابتدائية. ويمكن التعبير عنه من خلال الدعائم الخمس الآتية:

اختيار المدرسة المناسبة

يشكل اختيار المدرسة احدى الاشكاليات العويصة التي تواجه الأسر المغربية و خصوصا بعد تدمير المدرسة العمومية و بروز التعليم الخصوصي كبديل لا مفر منه خاصة في المرحلة الابتدائية. وإذا كان البعض يعتمد في اختياره على المنتوج الأجنبي أو الاغلى ثمنا تفويضا لقسمٍ هام من مسؤولياته التربوية فإن هذا الطرح لا يستقيم دوما و لا يكون بمتناول أغلب الفئات. إن اختيار المدرسة يجب أن ينبني أساسا على منهجيتها البيداغوجية و كفاءة أطرها و شساعة فضائها و تفاعلها مع انتظارات و طموحات الأسر ثم على القدرة المادية لهذه الأخيرة و ارتياح التلميذ لمحيط المؤسسة و المعلمين و الأقران. غير أن بناء جو الثقة و التواصل و التفاعل الايجابي بين مكونات الاسرة و المدرسة يبقى عاملا محددا لإنجاح عملية التعلم بعيدا عن أجواء التواطؤ او الصراع او الخصومة التي قد تنشأ بين الطرفين لسبب او أخر. ويشكل انتظام اولياء تلاميذ المؤسسات التعليمية في جمعيات او هيئات على أرض الواقع أو داخل أروقة التواصل الرقمي من بين الآليات التي قد تساعد على تحسين جودة خدمات هذه الاخيرة و الضغط عليها لمزاولة رسالتها النبيلة عوض الانغماس الحصري في حسابات الربح و الخسارة. فأصحاب المدارس يجب أن يستحضروا نبل رسالة التعليم والتنشئة المنوطة بهم بدل اعتبار هذه المؤسسات مجرد أصل تجاري محض.

التمكن من التعلمات الاساسية

يشكل اتقان القراءة (تلاوة وفهما للنص) و الرياضيات الركيزتين المحوريتين للتعليم الابتدائي. فعلى اساسهما اضافة للعلوم يتم تقييم مكتسبات التلاميذ في مجموعة من برامج التصنيف الدولية (كبرنامج PISA). لذلك يجب الحرص على امتلاك هذه الكفاءات من خلال التمكن من اللغتين العربية و الفرنسية تلاوة و تعبيرا ثم اتقان الحساب و الانفتاح تدريجيا على عوالم العلوم الكونية. وتجدر الاشارة هنا الى ضرورة مراعاة التوازن في تعلم اللغتين السالفتين والذي بدونه سينشأ خلل في المراحل

اللاحقة يصعب تداركه ان تم تهميش احداهما على الاخرى مع الأخذ بعين الاعتبار مبدأي التدرج و الفعالية في ادخال اللغة الاجنبية الثانية.

تطوير ملكات التعبير و التحليل عوض الحفظ و الاستظهار

ان النجاح الحقيقي يتطلب القدرة على التعبير عن الذات و الافصاح عن الرأي وهو ما لا يتأتى إلا بالتمكن أولا من آليات التواصل (اللغات) وثانيا عبر صياغة الفكرة و طرحها و هذا ما يستلزم تطوير ملكات التفكير و التحليل بدل الاعتماد على عمليات الحفظ و النقل و الاستظهار. الشيء الذي يتطلب تشجيع المدرسة لحصص و تمارين التعبير الشفوي و المحاورة و النقاش داخل الفصل الدراسي. ويمكن دعم هذه الاجراءات ببرمجة أنشطة موازية من قبيل المسرح و ورشات القصص و الفنون.

تقييم و تتبع عملية التعلم

يتجلى دور التقييم في قياس تقدم عملية التعلم و تطور مكتسبات ومهارات المتعلم واكتشاف مواضع الضعف و النقص لدى هذا الأخير. لذلك يجب ان تعكس هذه الآلية المستوى الحقيقي للتلميذ بعيدا عن اساليب التقييم الممارسة في بعض مؤسسات التعليم الخصوصي المتمثلة في تضخيم النقط او اجراء امتحانات بيضاء و تصحيحها و اعادة طرح نفس المواضيع كامتحان تقييم او مساعدة التلاميذ على الاجابة اثناء الامتحان في صورة أشبه بالنصب من التقييم. لذا يجب على اولياء التلاميذ، الحرص على التأكد ان هذه العملية تتم وفقا للضوابط البيداغوجية حتى يتسنى لهم معرفة مستوى المتعلم و الوقوف على مكامن النقص قصد معالجتها قبل فوات الاوان. وهنا يجب التنبيه ان النقطة في المرحلة الابتدائية لا تكتسي اي اهمية بقدر جدوى ادراك المستوى الحقيقي للتلميذ باعتبار ان هذه الفترة لا تنتج أي فرز او ترتيب للمتعلمين الذين سيتبعون نفس البرنامج خلال المرحلة الاعدادية بغض النظر عن ترتيبهم الدراسي.

الحذر من فخ الواجبات المنزلية

اذا كانت جل الدراسات المتخصصة تشير الى دور الواجبات المنزلية لترسيخ و استكمال عملية التعلم فإنها تحذر كذلك من الافراط والمبالغة فيها خصوصا في المرحلة الابتدائية التي تؤكد هذه الدراسات على محدودية تأثيرها على تقدم عملية التعلم مقارنة بالمرحلتين الاعدادية و الثانوية. هكذا فإن البروفيسور هاريس كوبر، من جامعة ديك الأمريكية و الذي تعد أبحاثه مرجعا رئيسيا في هذا الموضوع، يؤكد على ضرورة ألا يتعد السقف الزمني لهذه الواجبات ربع ساعة خلال العامين الأولين و نصف ساعة في العامين التاليين ثم ساعة خلال العامين الأخيرين من التعليم الابتدائي. غير ان الملاحظ في المشهد المغربي اغراق بعض المؤسسات التعليمية و اثقالها كاهل التلاميذ بهذه الواجبات و التي يقوم الآباء بانجازها في كثير من الأحيان بدلا عن ابنائهم ظنا من هذه المدارس أن حجم الواجبات دليل على جدية التعلم و صرامة المؤسسة و هو في الحقيقة ما هو إلا تعبير عن قصور عملية التمدرس داخل الفصل و تغليب لمنطق الكم على الكيف و سوء تقدير للمؤسسة لبيداغوجية التعليم و التكوين. ناهيك عن المشاكل والمعضلات التي تولدها هذه الظاهرة على حساب راحة و طمأنينة التلميذ والأسرة على حد سواء. لذلك يجب على اولياء التلاميذ الحذر من الوقوع في فخ الافراط في هذه الواجبات و العمل مع المدرسة لترشيدها و توزيعها بشكل متوازن على أيام الاسبوع مع مراعاة تغليب الكيف على الكم و الفاعلية على الفعل.

هكذا فإن هذه الركائز الخمس تشكل البنيان الأساس لتعلم ناجع و تحصيل معرفي هادف يزكي شخصية المتعلم و يرقى بها لمقصد النجاح و التألق.

أخيرا أود الاشارة أنه من خلال معاينتي لعدد من الطلبة في نهاية مشوارهم الدراسي وتتبع مسيرتهم المهنية ترسخت لدي قناعة مفادها أن الكلمة المفتاح للنجاح الحقيقي يكمن في شخصية الفرد لا في شهادته او تخصصه. فالدبلوم قد يكون سببا للتفوق لكنه ليس حتما شرطا كافيا لبلوغ أوج التألق و النجاح ما لم تتوفر العزيمة و الثقة و الاستقلالية المنبعثة من قوة الشخصية. فسبل النجاح متعددة و كثيرة يكفي تبيُّن معالم و سلوك احداها لمن توفرت له الارادة و الاصرار. وهو المعطى الذي تؤكده قصص نجاح عدد هائل من العلماء و العظماء التي تحفل بها كتب النجاح و التنمية البشرية.

فلتجنب فوبيا الفشل الدراسي لدى الاسر يجب إذن الاعتناء بتكوين شخصية الابناء وفق مبادئ القيم والمسؤولية و التوازن ثم مواكبة فعالية مسار تعلمهم وفق الدعائم المفصلة اعلاه وذلك لبلوغ نموذج النجاح المثالي دون اجهاد الآباء أو الاجهاز على تماسك الأسرة.

 

0

أضف رأيك